ابن عربي

13

مجموعه رسائل ابن عربي

وصف حال بعد حل وترحال ثم قلت له يا سيدي صان اللّه أنوار شيبتك وحفظ متاع غيبتك أريد أن أعرفك قصتي تكون لك سلما إلى منصتي عسى يقل إنكارك ويحسن إن وقع منك اعتذارك فإن الذي سألت عنه من هذه الأسرار المصونة من ملاحظة الأنوار فكيف بعالم الأفكار لا يصلح في كل وقت افشاؤها ، ولا يصح بأي نفخ كان بعثها وإحياؤها فإن نباؤها عظيم ، وشيطان منكرها أليم وإن كان بعض ما سألتني عنه لم أعرج عليه ولا طلبته منه ، فإن الطريق الذي سلكت عليه والمقام الذي طلبته وانفردت إليه الذي هو مقام فردانية الأحد ونفي الكثرة والعدد لا يصلح مع التعريج على كون ولا يقبل منه إلّا تحققه عين ولما لم تتعلق بحوادث الكون همتي ولا تسوقت إليها كلمتي كان الحق سبحانه وتعالى وجهتي ونزهتي عن ملاحظة جهتي فكنت لا أشهد أينا فكيف أبصر كونا . حكمة تعليم من عالم حكيم ، ثم لما رأيت السائل عن تلك الأسرار ، تحركته دواعي الأفكار أعرضت عنه إعراض متعلم ناصح ، وصرفت وجهي وجهة الحق الذي بيده المفاتح من جهة المقام الذي يعقله وسددت الباب الذي ينكره ويجهله حتى يتمكن في مقام السمع ويتحقق بحقيقة من حقائق الجمع ، وقمت إلى الحق ملبيا وله مناجيا أعد على سوابغ نعمه واسمع السائل سرائر حكمه وكأني لا أقصده بذلك تعظيما وهكذا يفعل من صيره الحق حكيما فإن البيوت لا تؤتي من أبوابها والملك على أرجائها ولا يدخل عليها إلّا بإذن حجابها وذلك إنّي إن بديت له الأسرار كفاحا وجعل قلبه لذلك سراحا ، فسرح في عالم التجسيم سر فكره ، واستوى على قلبه سلطان فكره فصير نوره نارا وقراره بوارا فالحكيم المطلق إذا أخذ من هذه صفته في مناشدة الحق ، وأعرض عن جميع الخلق بهره المقام ، فقطع الأوهام ، وغاب عن الأجسام ، واستسلم أي لاستسلام ، ووقعت النكتة في قلبه ، فقادته إلى معرفة ذاته وربه ، فاعرضت عنه لهذه الحكمة وأنشدت وبحث ببعض ما وجدت تعلمه فيه ، إن السلوك يجذب الحق ودواعيه ، ويرد سبحانه بالعبد ويحفيه ، فاعله يتنبه ويعيه . قلبي بذكرك مسرور ومحزون * لما تملكه لمح وتلوين فلو رقت إلى سما الكشف همته * لما تملكه وجد وتكوين لكنه حاد عن قصد السبيل فلم * يظفر به فهو بين الخلق مسكين حتى دعته من الأشواق داعية * أضحى بها وهو مغبوط ومفتون